مجلة هيئة أسواق المال - العدد الخامس والعشرون سبتمبر 2026 | Page 19

الزاوية القانونية ‎19‎
هيئة أسواق المال( القانون رقم( 7) لسنة ‎2010‎ بشأن إنشاء هيئة أسواق المال وتنظيم نشاط الأوراق المالية) وتحديداً‏ المادة( ‎150‎) منه ، والي وضعت قاعدة آمرة تقضي بسرية كافة بيانات ومعلومات الهيئة وحماية بيانات ومعلومات المتعاملن والمرخص لهم باعتبارها بيانات شخصية وسرية محصنة بجزاءات جنائية صارمة والثانية هي منظومة قانون حق الاطلاع اللاحق صدوره. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة في رسم الحدود الفاصلة ، وتحديد النطاق الموضوعي لما يجوز إتاحته للاطلاع ، وما يجب حظره وحمايته ، وذلك من خلال قراءة تحليلية توازن بن المصلحة العامة في الشفافية ، والمصلحة الاقتصادية العليا المرتبطة باستقرار سوق الأوراق المالية ، وثقة المستثمرين. وفي سبيل الإحاطة بأبعاد هذه المسألة والوصول إلى الغاية المتوخاة منها ، فقد جرى تقسيم هذه الدراسة وفق منهجية متكاملة تتناول في المحور الأول الأصل التريعي وحتمية حماية السرية المعقودة بموجب المادة( ‎150‎) من القانون رقم( 7) لسنة ‎2010‎ بشأن إنشاء هيئة أسواق المال وتنظيم نشاط الأوراق المالية ، لننتقل في المحور الثاني لبحث إشكالية التوفيق بن القاعدة الآمرة في قانون الهيئة وقانون حق الاطلاع ، يليه في المحور الثالث تبيان أوجه التوازن بن متطلبات الرقابة وحماية خصوصية المتعاملن ، وصولاً‏ في المحور الرابع إلى تسليط الضوء على المساحات التفسيرية وعقيدة الموظف الرقابي في مواجهة التهديد العقابي ، ونعرض في المحور الخامس لآليات الرقابة على منازعات السرية والإتاحة قبل أن نختم الدراسة بجملة من النتائج والتوصيات.
> المحور الأول: الأصل التشريعي وحتمية حماية السرية
تأسست المنظومة القانونية لهيئة أسواق المال في دولة الكويت على فلسفة قوامها الاستقرار والثقة وحماية المراكز المالية للمتعاملن ، وهي فلسفة تطلبت وضع سياج صارم حول تداول المعلومات والبيانات ، وقد تجلى هذا التوجه صراحقةً‏ في نص المادة( ‎150‎) من القانون رقم( 7) لسنة ‎2010‎ سالف الإشارة إليه ، والي قررت قاعدة آمرة تقضي بأن الأصل في كافة البيانات والمعلومات المتعلقة بأعمال الهيئة أو تلك الخاصة بالأشخاص المرخص لهم ، والمتعاملن في سوق الأوراق المالية ، هو التمتع بالسرية التامة ، والحماية المقررة قانونقاً‏ للبيانات الشخصية. إنَ‏ هذا التأصيل التريعي يهدف بالدرجة الأولى إلى منع استغلال المعلومات الداخلية ، وحماية أسرار التجارة والائتمان
والنأي بالسوق المالي عن الهزات الناجمة عن تسريب البيانات الحساسة ، ومن ثم فإنَ‏ السرية هنا ليست مجرد استثناء إداري ، بل هي مصلحة اقتصادية عليا ، محمية بجزاءات جنائية مشددة تقع على عاتق كل من يُخِ‏ ل بهذا الحظر من موظفي الهيئة أو المتصلن بأعمالها.
> المحور الثاني: إشكالية التوفيق بين القاعدة الآمرة في قانون الهيئة وقانون حق الاطلاع
تثور الإشكالية القانونية والعملية عند دخول القانون رقم( ‎12‎) سنة ‎2020‎ بشأن حق الاطلاع على المعلومات حيز التنفيذ ، حيث جاء هذا التريع اللاحق بقرينة معاكسة تمامقاً‏ ، مفادها أنَ‏ الأصل هو علنية المعلومات وإتاحتها للكافة تعزيزاً‏ للشفافية ، وهنا يقع الصدام الظاهري بن " مبدأ السرية المطلقة " المحصن بالمادة( ‎150‎) من قانون الهيئة ، وبن " مبدأ الإتاحة العامة " المقرر بقانون حق الاطلاع. ولفك هذا الاشتباك يتعن تكييف العلاقة بن النصن على أساس أنَ‏ قانون هيئة أسواق المال يمثل تريعقاً‏ خاصقا ً ينظم بيئة استثمارية ذات طابع حساس ، حيث حسم المرع هذا الأمر صراحقةً‏ في المادة( ‎164‎) من القانون رقم( 7) لسنة ‎2010‎ والي نصت على أن " يعتبر هذا القانون قانونقاً‏ خاصقا ً كما تعتبر
أحكامه أحكامقاً‏ خاصة ، ويلغى كل نص عام أو خاص يتعارض مع أحكامه " بينما يمثل قانون حق الاطلاع تريعا ً عامقاً‏ ، ووفقاً‏
لهذا النص الحاسم والقواعد الأصولية في التفسير فإنَ‏ الأحكام الخاصة الواردة في قانون الهيئة بموجب المادة( ‎164‎) سالفة الإشارة إليها تنسخ أثر نص عام لاحق يتعارض معها ، مما يعنيٌ‏ أنَ‏ الحماية المقررة للبيانات المالية والشخصية بموجب المادة( ‎150‎) تظل مستعصية على الإتاحة وتندرج تلقائيقاً‏ ضمن الاستثناءات الوجوبية الي نص عليها قانون حق الاطلاع لحماية المصالح التجارية والاقتصادية بالدولة.
البيئة الاستثمارية بحاجة دائمة لموازنة دقيقة بين حق الاطلاع وحماية خصوصية المتعاملين
> المحور الثالث: التوازن بين متطلبات الرقابة وحماية خصوصية المتعاملين
يكشف التحليل المتعمق لأبعاد هذا التطبيق التريعي أنَ‏ الحفاظ على الأصول الي قررتها المادة( ‎150‎) يمنح السوق المالي ميزة استقرار كبرى تتمثل في طمأنة المستثمر المحلي والأجنبي على سرية تحركاته الاستثمارية وبياناته غير المعلنة ، وتتأكد هذه